الزواج في الإسلام
مقاصده وحكمه، وأركان عقده وشروطه، وحقوق الزوجين
آخر تحديث: ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦
هذه الصفحة بابُ القسم ومدخله: تجمع أصول النكاح في الإسلام قبل التفصيل في مسائله. تبدأ بمنزلته ومقاصده، ثم حكمه، ثم أركان عقده وشروط صحّته، ثم ما يترتّب عليه من حقوق. وما اتّفقت عليه المذاهب يُذكر مميّزاً، وما اختلفت فيه تُعرض فيه الأقوال بأدلّتها بلا ترجيح.
1منزلة النكاح في الإسلام
النكاح مشروع بالكتاب والسنّة وإجماع الأمّة، وهو سنّة المرسلين، ولم يخالف في أصل مشروعيّته أحد.
وليس النكاح في الإسلام أمراً مباحاً يُترك ويُؤخذ، بل عُدّ من سنن الأنبياء ومن آيات الله في خلقه، وجُعل مقابلَ التبتّل الذي نُهي عنه.
وقد جاء رجالٌ إلى بيوت أزواج النبيّ ﷺ يسألون عن عبادته، فلمّا أُخبروا تقالّوها، فقال أحدهم: أمّا أنا فلا أتزوّج النساء. فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فخطب وقال: «لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي».
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾.
الرعد: ٣٨
﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾.
النور: ٣٢
«من رغب عن سنّتي فليس منّي».
متّفق عليه — البخاري ٥٠٦٣، مسلم ١٤٠١
2مقاصد النكاح — لماذا شرعه الله
شُرع النكاح لمقاصد لا يقوم بعضها مقام بعض، وليس مقصوده قضاء الشهوة وحدها كما قد يُظنّ.
**السكن والمودّة والرحمة.** وهو المقصد الذي قدّمه القرآن وجعله آيةً من آياته: أن يجد كلٌّ من الزوجين عند صاحبه سكناً تطمئنّ إليه نفسه. والمودّة محبّة، والرحمة تبقى حين تفتر المحبّة، فذكرهما معاً لأن العمر طويل.
**إحصان النفس.** صيانةُ الرجل والمرأة معاً عمّا حرّم الله، وصرفُ الغريزة إلى وجهها المشروع لا كبتُها.
**بقاء النسل.** امتداد النوع الإنساني في طريق يُعرف فيه الولد لأبيه، فتُحفظ الأنساب وتترتّب عليها الحقوق.
**السكون إلى أصلٍ واحد.** جعل الله الزوجين من نفس واحدة، فالعلاقة بينهما علاقة أصلٍ بأصله لا علاقة غالبٍ بمغلوب.
**بناء الأسرة وتوسيع الصلة.** يصير بالنكاح بين الناس نسبٌ وصهر، فتتّسع دائرة التكافل والرحم.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
الروم: ٢١
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾.
البقرة: ١٨٧
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾.
النحل: ٧٢
«يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج».
متّفق عليه — البخاري ٥٠٦٥، مسلم ١٤٠٠
3حكم النكاح: أواجبٌ هو أم مستحبّ؟
اتّفقوا على أنه مشروعٌ مرغَّبٌ فيه، وعلى أنه يجب على من خاف على نفسه الوقوع في الحرام وقدر عليه.
تعتريه الأحكام الخمسة بحسب حال الشخص: فيجب على من خاف الزنا وقدر، ويُستحبّ لمن اعتدلت حاله وهو الأصل، ويُباح لمن لا تتوق نفسه، ويُكره لمن يخشى ألّا يقوم بالحقّ، ويحرم على من يتيقّن أنه يظلم زوجته.
وجه استدلالهم: أنّ النصوص وردت بالترغيب لا بصيغة الإلزام، فحُملت على الندب إلا عند خوف الوقوع في الحرام.
واجبٌ على كل قادر عليه واجدٍ لما يتزوّج به، يأثم بتركه.
وجه استدلالهم: ظاهر الأمر في ﴿فَانكِحُوا﴾ وفي «فليتزوّج»، والأصل في الأمر الوجوب.
﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾.
النساء: ٣
«ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء».
متّفق عليه — البخاري ٥٠٦٥، مسلم ١٤٠٠
4أركان عقد النكاح
اتّفقوا على أن العقد لا ينعقد إلا بإيجاب وقبول، وعلى أنه لا بدّ من زوجين خاليين من الموانع. واختلفوا فيما يُعدّ ركناً وما يُعدّ شرطاً.
والفرق بين الركن والشرط عند الفقهاء: الركن جزءٌ من ماهية العقد، والشرط خارجٌ عنها يتوقّف عليه صحّتُها. فالخلاف في التصنيف قد لا يُغيّر النتيجة العملية كثيراً.
الركن هو الإيجاب والقبول وحدهما، وما عداهما من الولي والشهود شروطٌ لا أركان.
الأركان خمسة: الوليّ، والصداق، والزوج، والزوجة، والصيغة.
الأركان خمسة: الزوج، والزوجة، والوليّ، والشاهدان، والصيغة.
الأركان ثلاثة: الزوجان، والإيجاب، والقبول.
5شروط صحّة العقد
اتّفقوا على اشتراط: خلوّ الزوجين من موانع النكاح، وتعيين كلٍّ منهما، ورضا الزوجة، والصيغة الدالّة على العقد.
**رضا الزوجة** شرطٌ لا يسقط. فالثيّب لا تُنكح حتى تُستأمر، والبكر لا تُنكح حتى تُستأذن. وقد ردّ النبيّ ﷺ نكاح من زوّجها أبوها وهي كارهة.
**الوليّ**: موضع خلافٍ معتبر بين المذاهب، وله صفحة مستقلّة في هذا القسم.
**الشهادة**: الجمهور على أنها شرط صحّة، والمالكية على أن المشترط هو الإعلان.
الشهادة شرطٌ لصحّة العقد، فلا ينعقد بغير شاهدين.
وجه استدلالهم: حديث «لا نكاح إلا بوليّ وشاهدَي عدل».
لا تُشترط الشهادة حال العقد، بل المشترط الإعلانُ وعدمُ كتمانه، وتُندب الشهادة، ويجب الإشهاد قبل الدخول.
وجه استدلالهم: أن مقصود الشهادة إعلان النكاح وتمييزه عن السفاح، والإعلان يحصل بغيرها.
«لا تُنكَح الأيّم حتى تُستأمر، ولا تُنكَح البكر حتى تُستأذن».
متّفق عليه — البخاري ٥١٣٦، مسلم ١٤١٩
«أعلنوا هذا النكاح».
الترمذي ١٠٨٩، وحسّنه بعض أهل العلم
6المهر — حقٌّ خالصٌ للمرأة
المهر واجبٌ في النكاح بالكتاب والسنّة والإجماع، وهو حقٌّ خالصٌ للزوجة لا لأبيها ولا لأحدٍ من أهلها، تتصرّف فيه كيف شاءت.
ولا حدّ لأكثره باتّفاق، وخُطب عمر رضي الله عنه في المنع من المغالاة فيه فرُوجع فرجع.
والسنّة تيسيرُه لا تكثيرُه، وقد زوّج النبيّ ﷺ رجلاً بما معه من القرآن.
لا حدّ لأقلّه، فكلّ ما صحّ أن يكون ثمناً أو أجرةً صحّ أن يكون مهراً.
أقلّه عشرة دراهم، فإن سُمّي أقلّ منها وجبت العشرة.
أقلّه ربع دينار ذهباً، أو ما يساويه.
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾.
النساء: ٤
«التمس ولو خاتماً من حديد».
متّفق عليه — البخاري ٥١٢١، مسلم ١٤٢٥
7الإشهار والوليمة
إعلان النكاح مطلوبٌ شرعاً، وبه يتميّز عن السفاح. والوليمة مشروعةٌ بعد الدخول، وإجابة الدعوة إليها مأمورٌ بها.
الوليمة سنّة مؤكّدة، وإجابة الدعوة إليها واجبة على المدعوّ ما لم يكن عذر.
الوليمة واجبة.
وجه استدلالهم: ظاهر الأمر في «أَوْلِم ولو بشاة».
«أَوْلِم ولو بشاة».
متّفق عليه — البخاري ٥١٦٧، مسلم ١٤٢٧
8حقوق الزوجين
العشرة بالمعروف حقٌّ مشترك بينهما، ولكلٍّ منهما على صاحبه حقوق، وليست الحقوق في جانبٍ واحد.
**ما يشتركان فيه**: حسن العشرة، وحفظ السرّ، والصبر على ما يكره، وأداء ما لكلٍّ على الآخر.
**من حقوقها عليه**: المهر، والنفقة والسكنى والكسوة بالمعروف، والعدل إن كان له غيرها، وألّا يضارّها ولا يؤذيها بقولٍ أو فعل.
**من حقوقه عليها**: حفظه في نفسها وماله، والقيام بما التزمته من حقّ العشرة.
وقد جعل النبيّ ﷺ ميزان الفضل بين الرجال حسن معاملتهم لأهلهم، لا ما سواه.
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
النساء: ١٩
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
البقرة: ٢٢٨
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
الترمذي ٣٨٩٥، وابن ماجه ١٩٧٧
«ولا يَفرَك مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن كره منها خُلقاً رضي منها آخر».
مسلم ١٤٦٩
9من تحرم عليه المرأة
المحرّمات في النكاح قسمان باتّفاق: محرّماتٌ على التأبيد لا يزول تحريمها، ومحرّماتٌ على التأقيت تزول بزوال سببها.
**المحرّمات على التأبيد** ثلاثة أسباب: النسب، والرضاع، والمصاهرة. وقد فصّلها القرآن تفصيلاً لا يحتاج معه إلى اجتهاد في أصله.
**بالنسب**: الأمّهات والبنات والأخوات والعمّات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
**بالرضاع**: يحرم منه ما يحرم من النسب.
**بالمصاهرة**: أمّهات النساء، وبنات الزوجة المدخول بها، وحلائل الأبناء، وزوجات الآباء.
**والمحرّمات على التأقيت**: كالجمع بين الأختين، والمرأة المتزوّجة أو المعتدّة حتى تنقضي عدّتها، ومن استوفى العدد المأذون فيه.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾.
النساء: ٢٣
«يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب».
متّفق عليه — البخاري ٢٦٤٥، مسلم ١٤٤٧
10ما يُنظر إليه عند الاختيار
رغّب الشرع في تقديم الدين والخلق على ما سواهما، ولم يُلغِ سائر ما يُنظر فيه من مالٍ أو نسبٍ أو جمال.
فالحديث ذكر أربعاً يُنكح لأجلها، ثم أمر بالظفر بذات الدين — فلم يُنكر الثلاث الأخرى، بل رتّب الأولوية عند التزاحم.
وأُذن للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، وله في هذا القسم صفحة مستقلّة.
«تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك».
متّفق عليه — البخاري ٥٠٩٠، مسلم ١٤٦٦
«إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخُلُقه فزوّجوه».
الترمذي ١٠٨٤، وابن ماجه ١٩٦٧
المراجع
- — ابن رشد الحفيد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد — كتاب النكاح
- — ابن قدامة، المغني — كتاب النكاح
- — الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع — كتاب النكاح
- — النووي، المجموع شرح المهذّب — كتاب النكاح
- — ابن حزم، المحلّى بالآثار — كتاب النكاح
- — الموسوعة الفقهية الكويتية — مادّة «نكاح»
تنبيه: هذه صفحة تعريفية تعرض أقوال المذاهب المعتبرة بأدلّتها، وليست فتوى ولا ترجيحاً بين الأقوال. ولكلّ حالة ظروفها، فاسأل من تثق بعلمه، وراجع نظام الأحوال الشخصية في بلدك.
المراجعة الشرعية: القسم الشرعي في زواجنا أونلاين