الخُلع في الإسلام

حقّ المرأة في فكاك النكاح، وأحكامه وعوضه وعِدّته

آخر تحديث: ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦

شاع في أذهان كثيرين أن إنهاء النكاح بيد الرجل وحده، والشرع جعل للمرأة مخرجاً إن كرهت البقاء: أن تفتدي نفسها بعوض تبذله. وهذا هو الخُلع. وهذه الصفحة تعرض أحكامه على المذاهب المعتبرة، وتذكر معه سائر السبل التي جعلها الشرع لها.

1مشروعيّة الخُلع

محلّ اتفاق

الخُلع مشروع بالكتاب والسنّة، ولا خلاف في أصله بين أهل العلم.

وحقيقته أن تبذل المرأة لزوجها عوضاً في مقابل أن يفارقها، إذا كرهت البقاء معه وخشيت ألّا تقيم حقّه.

وقصّة امرأة ثابت بن قيس أصلٌ في الباب، وفيها أن المرأة جاءت تشكو لا عيباً في خُلُقه ولا دينه، فقُبل منها ذلك.

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.

البقرة: ٢٢٩

أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خُلُق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: «أتردّين عليه حديقته؟» قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ: «اقبل الحديقة وطلّقها تطليقة».

رواه البخاري

2هل الخُلع فسخ أم طلاق؟

لهذه المسألة أثر عملي مهمّ: فإن كان طلاقاً حُسب من الطلقات الثلاث، وإن كان فسخاً لم يُحسب منها.

الجمهور — الحنفية والمالكية والشافعية في المشهور

الخُلع طلاق بائن، فيُحسب من عدد الطلقات.

وجه استدلالهم: لقوله ﷺ في حديث ثابت: «وطلّقها تطليقة».

الحنابلة في المشهور، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما

الخُلع فسخ لا طلاق، فلا يُحسب من الطلقات الثلاث.

وجه استدلالهم: لأن الله ذكر الطلقتين ثم ذكر الفدية ثم ذكر الطلقة الثالثة، فلو كانت الفدية طلاقاً لكنّ أربعاً.

3العوض ومقداره

محلّ اتفاق

لا يحلّ للزوج أن يُضارّها ويُضيّق عليها لتفتدي منه — فذلك عَضْلٌ منهيّ عنه.

الأصل أن يكون العوض ما ساقه إليها من المهر، كما في حديث ثابت حين ردّت عليه حديقته.

وللفقهاء تفصيل فيما زاد على ذلك: فالجمهور على صحّة الخُلع بما تراضيا عليه قلّ أو كثر، مع كراهة جماعة من أهل العلم أن يأخذ أكثر مما أعطاها.

﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾.

النساء: ١٩

4عِدّة المختلعة

اختلف الفقهاء في عِدّة المرأة إذا اختلعت:

الجمهور

عِدّتها كعِدّة المطلّقة: ثلاثة قروء.

الحنابلة، وهو مرويّ عن ابن عباس وعثمان رضي الله عنهم

تعتدّ بحيضة واحدة، لأن المقصود استبراء رحمها لا غير.

وجه استدلالهم: لما ورد أن النبي ﷺ أمر امرأة ثابت أن تعتدّ بحيضة.

5ضابط مهمّ: الخُلع لحاجة لا لهوى

جعل الشرع الخُلع مخرجاً عند الحاجة، وجاء الوعيد في طلب الفراق بلا سبب يقتضيه.

فليس البابُ متروكاً لكلّ ضجر عارض، وليس مغلقاً دون من كرهت البقاء كراهةً تخشى معها ألّا تؤدّي الحقّ. وبين الأمرين يقع نظر أهل العلم والقضاء.

«أيّما امرأة سألت زوجها طلاقاً في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنّة».

رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه

6وللمرأة سبل أخرى غير الخُلع

يُظنّ أحياناً أن الخُلع طريقها الوحيد، وليس كذلك. فقد جعل لها الفقهاء مخارج عدّة، منها:

  • التفريق للضرر: إذا لحقها من زوجها ضرر لا يُستطاع معه دوام العشرة، رفعت أمرها إلى القاضي فيفرّق بينهما دون عوض.
  • التفريق لعدم الإنفاق: إذا امتنع عن نفقتها وهو قادر.
  • التفريق للغَيبة أو الهجر أو الحبس الطويل، على تفصيل بين المذاهب.
  • التفريق للعيب الذي يمنع المقصود من النكاح.
  • تمليك الطلاق: أن تشترط في العقد أن تكون عصمتها بيدها، وهو صحيح عند جمهور الفقهاء، فتملك بذلك إيقاع الفرقة دون عوض.

7بين الطلاق والخُلع

كثيراً ما يُقال إن الطلاق حقّ الرجل والخُلع حقّ المرأة، وفي العبارة معنى صحيح: أن الشرع لم يجعل عقدة النكاح بيد طرف واحد لا فكاك منها.

غير أن الصورة أوسع من مقابلةٍ بين اثنين: فللزوج الطلاق ويتحمّل تبعته المالية، وللزوجة الخُلع بعوض، ولها التفريق القضائي بلا عوض عند الضرر، ولها أن تشترط العصمة ابتداءً.

فالباب مفتوح للطرفين بصور مختلفة، وكلٌّ محكوم بضوابط تمنع العبث وتحفظ الأسرة من أن تُنقض لأدنى سبب.

8التطبيق في أنظمة البلدان

نظّمت أكثر الدول العربية الخُلع في قوانين الأحوال الشخصية، وأوجب بعضها رفعه إلى القضاء ووضع له إجراءات ومُدداً.

فمن أراد العمل به فلينظر في نظام بلده مع النظر الفقهي، فالحكم الشرعي شيء وإجراء توثيقه شيء آخر.

المراجع

  • — ابن قدامة، المغني — كتاب الخُلع
  • — ابن رشد الحفيد، بداية المجتهد — كتاب الخُلع
  • — القرطبي، الجامع لأحكام القرآن — تفسير آية ٢٢٩ من سورة البقرة
  • — ابن حجر العسقلاني، فتح الباري — كتاب الطلاق، باب الخُلع
  • — الموسوعة الفقهية الكويتية — مادّة «خُلع»

تنبيه: هذه صفحة تعريفية تعرض أقوال المذاهب المعتبرة بأدلّتها، وليست فتوى ولا ترجيحاً بين الأقوال. ولكلّ حالة ظروفها، فاسأل من تثق بعلمه، وراجع نظام الأحوال الشخصية في بلدك.

المراجعة الشرعية: القسم الشرعي في زواجنا أونلاين